الشيخ فاضل اللنكراني
68
مدخل التفسير
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » معجزة وحيدة بالإضافة إلى البقاء والخلود ، كما مرّ البحث في ذلك في توصيف القرآن بخلود الاعجاز . ثم انّ هاهنا اشكالا ، وهو ان البلاغة لا يمكن أن تكون من وجوه الاعجاز ، ولا ينطبق عليها المعجز - بما اعتبر في معناه الاصطلاحي المتقدم في أوائل البحث - لأنه كما عرفت يتقوم بكونه خارقا للعادة ، فائقا على ناموس الطبيعة ، والبلاغة ليس فيها هذه الخصوصية التي بها قوام الاعجاز . وتوضيح ذلك يتوقف على امرين : أحدهما : ان دلالة الالفاظ على المعاني واماريتها لها ، وكشفها عنها ليس لامر يرجع إلى الذات ، بحيث يكون الاختصاص والدّلالة ناشئا عن ذات الالفاظ بلا مدخليّة جاعل وواضع ، بل هذه الخاصّة اعتبارية جعليّة ، منشأها جعل الواضع واعتبار المعتبر ، والغرض منه سهولة تفهيم الانسان ما في ضميره ، والاستفادة منه في مقام الإفادة ، فالاختصاص انّما ينشأ من قبل وضع الواضع ، وبدونه لا مسانخة بين الالفاظ والمعاني ولا دلالة لها عليها ، وتحقيق هذا الأمر في محلّه . ثانيهما : ان الواضع - على ما هو التحقيق - هو الانسان لا خالقه وبارئه ، فإنه هو الذي جعل اللّفظ علامة وآلة على المعنى ، لضرورة الحاجة الاجتماعيّة ، وسهولة الإفادة والاستفادة ، والتفهيم والتفهّم . إذا ظهر لك هذان الامر ان : ينقدح الاشكال في كون البلاغة من وجوه الاعجاز ، فانّه إذا كان الوضع راجعا إلى الانسان ، مجعولا له ، مترشحا من قريحته ، فكيف يمكن ان يكون التأليف الكلامي بالغا إلى مرتبة معجزة للانسان ، مع أن الدلالة وضعية اعتبارية جعليّة ولا يمكن ان يتحقق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة ؟ ! . مضافا إلى أنه على تقدير ثبوته وتحقّقه ، كيف يمكن تعقل التعدد والتنوع للنوع البالغ مرتبة الاعجاز . والرتبة الفائقة على قدرة البشر ؟ مع أن القرآن كثيرا ما يورد في المعنى الواحد ، والمقصود الفارد عبارات مختلفة ، وبيانات متعددة ،